محمد هادي معرفة
93
التمهيد في علوم القرآن
البحث الثالث : في بيان موقعها من الفصاحة اللفظية . اعلم أنّ الفصاحة من عوارض الكلم اللفظية ، وهي خلاصة علم البيان وصفوة جوهره ، ويوصف بها المفرد والمركّب ، وهي أخصّ من البلاغة ، ولهذا يقال : كلّ بليغ من الكلام فصيح وليس كلّ فصيح بليغا . ولا يكون الكلام فصيحا إلّا إذا كان مختصّا بصفات ثلاث : الأولى منها : أن يكون خالصا من تنافر الأحرف في تأليف اللفظة ونظامها ، فيسلم من مثل قولنا ( عنجق ) وعن مثل قولك ( هعخع ) فإنّ ما هذا حاله مجانب للفصاحة بمعزل عن أساليبها ، ولهذا عيب على امرئ القيس قوله ( غدائره مستشزرات إلى العلى ) لما في ( مستشزرات ) من التنافر المورث للثقل والبشاعة . الثانية : أن يكون مجنّبا عن الغرابة والعنجهانية ، فما هذا حاله يكون عاريا عن الفصاحة ، وهذا كقولك في الخمر إنها ( الزرحون ) وإنها ( القرقف ) فيعدّ هذا من وحشيّ الكلام وغريبه ، فما الف كان أدخل في الفصاحة . الثالثة : أن يكون موافقا للأقيسة الإعرابية ، فلا يخالفها في تصريف ولا إعراب ، فيجب إعلال الكلمة على القوانين الجارية في علم الإعراب فلا يقال في ( قام ) قوم ، ولا في ( قائم ) قاوم ، وإن كان أصلا ، ولا يقال ( الحمد للّه العليّ الأجلل ) وإن كان هو الأصل ، بل يجب إجزاء ذلك على الإعلال والإدغام ، وإلّا كان خارجا عن الفصيح من الكلام ، وقد قرّرنا شرح هذه القاعدة في أوّل الكتاب فأغنى عن الإعادة ، فإذا تمهدت هذه القاعدة ، فإنك إذا تحققت الألفاظ الواردة في هذه الآية وجدتها سالمة عن التنافر في بنائها ، عربية مألوفة جارية على الأقيسة المطّردة في الإعراب والتصريف ، بعيدة عن الغرابة ، سليمة